النووي

381

تهذيب الأسماء واللغات

عندي ، فقلت : اليوم أسبق أبا بكر ، إن سبقته يوما . فجئت بنصف مالي ، فقال لي رسول الله عليه السلام : « ما أبقيت لأهلك ؟ » فقلت : مثله . وأتى أبو بكر بكل ما عنده ، فقال : « يا أبا بكر ، ما أبقيت لأهلك ؟ » فقال : أبقيت لهم اللّه ورسوله . فقلت : لا أسبقه إلى شيء أبدا . رواه أبو داود ( 1678 ) في كتاب الزكاة ، والترمذي ( 3675 ) في المناقب ، وقال : هو حديث صحيح . وعن عائشة : أن أبا بكر دخل على رسول الله عليه السلام ، فقال : « أنت عتيق اللّه من النار » فيومئذ سمي عتيقا . رواه الترمذي ( 3679 ) وقال : غريب « 1 » . وعن علي رضي الله عنه وسئل عن أبي بكر فقال : سمّاه اللّه صدّيقا على لسان جبريل ، ولسان محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، كان خليفة رسول اللّه عليه السلام في الصلاة ، رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا . وروينا بالإسناد الصحيح في « سنن أبي داود » ( 4630 و 4631 ) عن سفيان الثّوري قال : الخلفاء خمسة : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعمر بن عبد العزيز . وأنه قال : من قال : إن عليا كان أحقّ بالولاية من أبي بكر وعمر ، فقد خطّأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار ، وما أراه يرتفع له مع هذا عمل إلى السماء . ومناقب الصديق رضي اللّه عنه لا يمكن استقصاؤها ولا الإحاطة بعشر معشارها ، إنما ذكرت هذه الأحرف تبركا للكتاب بذكره رضي اللّه عنه . فصل في علمه وزهده وتواضعه استدل أصحابنا على عظم علمه بقوله رضي الله عنه في الحديث الثابت في « الصحيحين » أنه قال : والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة ، واللّه لو منعوني عقالا كانوا يؤدّونه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لقاتلتهم على منعه « 2 » . واستدل الشيخ أبو إسحاق بهذا وغيره في « طبقاته » على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أعلم الصحابة ، لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكمة في المسألة إلا هو ، ثم ظهر لهم بمباحثته لهم أنّ قوله هو الصواب ، فرجعوا إليه . وروينا عن ابن عمر أنه سئل : من كان يفتي الناس في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فقال : أبو بكر وعمر ، ما أعلم غيرهما . وقد سبق قريبا حديث أبي سعيد في « الصحيحين » ، قال : وكان أبو بكر أعلمنا . وروينا عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : كان لأبي بكر الصديق غلام يخرج له الخراج ، وكان أبو بكر يأكل من خراجه ، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر : فقال له الغلام : تدري ما هذا ؟ قال أبو بكر : وما هو ؟ قال : كنت تكهّنت لإنسان في الجاهلية ، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته ، فلقيني فأعطاني لذلك هذا الذي أكلت منه . فأدخل أبو بكر يده فقاء كلّ شيء في بطنه . رواه البخاري ( 3842 ) . والخراج شيء يجعله السيد على عبده يؤديه إلى السيد كل يوم ، وباقي كسبه يكون للعبد . وكان رضي اللّه عنه إذا مدح يقول : اللهم أنت أعلم بي من نفسي ، وأنا أعلم بنفسي منهم ، اللهم اجعلني خيرا مما يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون ، ولا تؤاخذني بما يقولون . وقيل له في مرضه : ألا ندعوا لك طبيبا ؟ قال : قد نظر إليّ . قالوا : ما قال لك ؟ قال : قال : إني فعّال لما أريد . وروينا في « تاريخ دمشق » عن هشام بن عروة عن

--> ( 1 ) الغرابة من جهة إسناده ، ومتنه صحيح . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 1400 ) ، ومسلم ( 20 ) من حديث أبي هريرة .